صديق الحسيني القنوجي البخاري

586

فتح البيان في مقاصد القرآن

على وفق الأعضاء السبعة من العين والأذن واللسان والبطن والفرج واليد والرجل لأنها مصادر السيئات فكانت مواردها الأبواب السبعة . ولما كانت هي بعينها مصادر الحسنات بشرط النية والنية من أعمال القلب زادت الأعضاء واحدا فجعلت أبواب الجنان ثمانية ، انتهى . أقول : الحكمة في تخصيص هذا العدد لا تنحصر فيما ذكر ، بل الأولى تفويضها إلى جاعلها وهو اللّه سبحانه ، إلا أن يرد خبر صحيح عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فيجب المصير إليه . وعن عليّ رضي اللّه عنه قال : أطباق جهنم سبعة بعضها فوق بعض ، فيملأ الأول ثم الثاني ثم الثالث حتى تملأ كلها . وأخرج البخاري في تاريخه والترمذي واستغربه عن ابن عمر قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « لجهنم سبعة أبواب ؛ باب منها لمن سل السيف على أمتي » « 1 » وأخرج ابن مردويه والخطيب في تاريخه عن أنس قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « في الآية جزء أشركوا باللّه وجزء شكوا في اللّه وجزء غفلوا عن اللّه » . وقد وردت في صفة النار وأهوالها أحاديث وآثار كثيرة ليس هذا موضع استقرائها إِنَّ الْمُتَّقِينَ أي الذين اتقوا الشرك باللّه سبحانه كما قاله جمهور الصحابة والتابعين وهو الصحيح ، وقيل هم الذين اتقوا جميع المعاصي ، وبه قال الجبائي وجمهور المعتزلة والأول أولى ، وأجمعت الأمة على أن التقوى عن الكفر شرط في حصور الحكم بدخول الجنة ، وليس من شرط صدق الوصف بكونه متقيا أن يكون آتيا بجميع أنواع التقوى لأن الآتي بفرد واحد من أفراد التقوى يكون آتيا بالتقوى كما أن الضارب هو الآتي بالضرب ولو مرة واحدة والقاتل هو الآتي بالقتل ولو مرة واحدة وكل فرد من أفراد الماهية يجب أن يكون مشتملا على تلك الماهية ، وبهذا التحقيق استدلوا على أن الأمر لا يفيد التكرار . فِي جَنَّاتٍ هي البساتين وَعُيُونٍ هي الأنهار الجارية أي مستغرقون فيهما والتركيب يحتمل أن يكون لجميعهم جنات وعيون أو لكل واحد منهم جنات وعيون أي عدة منهما كقوله تعالى : وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ [ الرحمن : 46 ] أو لكل واحد منهم جنة عين تجري في قصوره ودوره فينتفع بها وهو من يختص به من حوره وولدانه ، قال الرازي : يحتمل أن يكون منها ما ذكره اللّه تعالى في قوله : مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ [ محمد : 15 ] الآية ويحتمل أن يكون المراد من هذه العيون منابع مغايرة لتلك الأنهار .

--> ( 1 ) أخرجه الترمذي في تفسير سورة 15 ، باب 2 ، وأحمد في المسند 2 / 94 .